الشنقيطي

36

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

القدري والمشيئة الإلهية ، أي كما في قوله تعالى : وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ [ آل عمران : 166 ] ، وقوله : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [ آل عمران : 152 ] . والذي يظهر - واللّه تعالى أعلم . أن الإذن المذكور في الآية ، هو إذن شرعي ، وهو ما يؤخذ من عموم الإذن في قوله تعالى : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [ الحج : 39 ] ، لأن الإذن بالقتال إذن بكل ما يتطلبه بناء على قاعدة الأمر بالشيء أمر به وبما لا يتم إلا به . والحصار نوع من القتال ، ولعل من مصلحة الحصار قطع بعض النخيل لتمام الرؤية ، أو لإحكام الحصار ، أو لإذلال وإرهاب العدو في حصاره وإشعاره بعجزه عن حماية أمواله وممتلكاته ، وقد يكون فيه إثارة له ليندفع في حمية للدفاع عن ممتلكاته وأمواله ، فينكشف عن حصونه ويسهل القضاء عليه ، إلى غير ذلك من الأغراض الحربية ، والتي أشار اللّه تعالى إليها في قوله : وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ أي بعجزهم وإذلالهم وحسرتهم ، وهم يرون نخيلهم يقطع ويحرق فلا يملكون له دفعا . وعلى كل فالذي أذن بالقتال وهو سفك الدماء وإزهاق الأنفس وما يترتب عليه من سبي وغنائم لا يمنع في مثل قطع النخيل إن لزم الأمر ، ويمكن أن يقال : إن ما أذن فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فبإذن اللّه أذن . وبهذا يمكن أن يقال : إذا حاصر المسلمون عدوا ، ورأوا أن من مصلحتهم أو من مذلة العدو إتلاف منشآته وأمواله ، فلا مانع من ذلك . واللّه تعالى أعلم . وغاية ما فيه ، أنه إتلاف بعض المال للتغلب على العدو وأخذ جميع ماله ، وهذا له نظير في الشرع ، كعمل الخضر في سفينة المساكين لما خرقها ، أي أعابها بإتلاف بعضها ليستخلصها من اغتصاب الملك إياها ، وقال : وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [ الكهف : 82 ] . وقد جاء اعتراض المشركين على المسلمين في قتالهم في الأشهر الحرم ، كما اعترض اليهود على المسلمين في قطع النخيل ، وذلك في قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [ البقرة : 217 ] .